من رحلة البحث إلى صناعة الأمل.. "سجّة" والخطوة الجديدة
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
اليوم وأنا أكتب لكم هذه الكلمات، أشعر بفخر عميق لا ينبع من لقب أو موقع، بل من شعور إنساني بسيط وصادق: أن أجد نفسي أخيراً في المكان الذي طالما حلمت به. مكان يتيح لي أن أخدم بلدي العراق، وأن أساهم، ولو بخطوة صغيرة، في بناء مستقبل اقتصادي يليق بهذا الوطن العظيم، بأرض الرافدين وحضارتها وشعبها المكافح.
دعوني أشارككم قصة هذه الرحلة الشغوفة، وكيف ولدت فكرة منصة "سجّة"، وكيف التقيت في منتصف الطريق مع رؤية مبادرة "صنع في العراق".
قضيت أكثر من خمسة عشر عاماً في سويسرا. هناك تعلمت الكثير عن كيفية إدارة الأعمال، وعن أهمية الجودة والتنظيم والثقة في بناء أسواق ناجحة ومستدامة. عملت في مجالات متنوعة ومختلفة شملت قطاعات النقل، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والضيافة. كانت كل محطة من هذه المحطات بمثابة مدرسة جديدة بالنسبة لي، وكان كل تحدٍ واجهته يضيف لي درساً عميقاً في الصبر والتفكير الإيجابي والتطوير المستمر.
لكن رغم النجاح والتعلم والاستقرار في الغربة، كان هناك دائماً صوت حنون في داخلي يذكرني بالوطن وبأهله. كان يتملكني سؤال دائم لا يغادر ذهني: لماذا لا نملك في العراق تجارة رقمية متينة تمكن منتجاتنا الوطنية من المنافسة الحقيقية؟ لماذا تظل العلامات التجارية والمبادرات العراقية الشابة محصورة في نطاق محلي ضيق، بينما تملك من الإبداع والجودة والأصالة ما يؤهلها للوصول إلى كل مكان في العالم؟
من قلب هذا السؤال، ومن رحم التفكير المتواصل والبحث عن حلول عمليّة، ولدت فكرة منصة "سجّة".
إن "سجّة" بالنسبة لي ليست مجرد موقع أو تطبيق إلكتروني لبيع وشراء المنتجات، بل هي رؤية ورسالة. رسالة إيمان بأن العراقيين قادرون على خلق بدائل عصرية وتنافسية، وأن المنتج المحلي يمتلك كل مقومات النجاح والتميز إذا ما أتيحت له الفرصة المناسبة، والأدوات الصحيحة، والتسهيلات التي تصون جهده وصناعته.
عندما تعمقت في دراسة السوق العراقي عن قرب، رأيت حيوية كبيرة ونمواً متسارعاً في عالم التجارة الرقمية، ورأيت آلاف الشباب والتجار الذين يحاولون بكل عزيمة بناء مشاريعهم الخاصة. لكنني لاحظت أيضاً عقبة رئيسية تقف حائلاً في طريق استمرارهم؛ وهي العمولات المرتفعة والتكاليف الإضافية التي تفرضها المنصات التقليدية، والتي تلتهم جزءاً كبيراً من أرباح المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتحد من قدرتها على التوسع والنمو.
هنا ظهرت الحاجة الملحة إلى "سجّة" لتكون بديلاً عادلاً، بسيطاً، وعملياً. أردنا بناء بيئة رقمية متكاملة تمكن التاجر والصانع العراقي من عرض منتجاته وتطوير عمله دون أعباء مالية شاقة، وتسهل على المستهلك المحلي والدولي الوصول إلى المنتجات العراقية بكل ثقة ويسر. نحن نركز اليوم على التأسيس والتمكين، ونمضي بخطوات متأنية وواثقة لنقدم تجربة متكاملة تسهم في دعم الاقتصاد الوطني ورفع اسم المنتجات العراقية عالية الجودة.
وفي سياق هذه الرحلة والتطلعات، تقاطعت أهدافي وطموحاتي مع مبادرة "صنع في العراق"، التي تسعى بجد إلى فتح الآفاق أمام المنتجات الوطنية وربطها بالأسواق العالمية والخبرات المتقدمة. كان هذا التقاطع بمثابة دافع إضافي للاستمرار، ورسالة ثقة بضرورة مواصلة العمل لنشر قصص النجاح العراقية وإبراز المبتكرين ورواد الأعمال الذين يعملون بصمت وصبر وإصرار.
إن العمل لأجل هذا الهدف ليس مهمة فردية أو جهد شخص واحد، بل هو مسؤولية مشتركة وأمل يحمله كل شخص يتطلع لغد أفضل لهذا البلد. يسعدني جداً أن أكون جزءاً من هذا المسار الحيوي، وأن أضع كل ما اكتسبته من خبرات وتجارب في خدمة أصحاب الطموح والشغف من أبناء بلدي العزيز.
إلى كل شاب وشابة في العراق يحملون حلم أو مشروعاً صغيراً: لا تستهينوا بجهودكم ولا بأفكاركم مهما كانت بسيطة في بدايتها. العراق مليء بالفرص الواعدة، والفرص العظيمة تُبنى بالصبر والعمل المخلص والتعلم المستمر. نحن نملك الإرادة والطاقة، ومعاً نستطيع أن نصنع الفارق الحقيقي ونبني آفاقاً جديدة للمنتج العراقي ليكون مصدر فخر لنا جميعاً.
.jpg)