اقتصاد رقمي بـ 4 مليارات دولار: كيف تتحول التجارة الإلكترونية إلى قاطرة تمكين للابتكار والصناعة العراقية؟
تشهد بيئة الأعمال في العراق تحولاً هيكلياً يعيد رسم ملامح الاقتصاد الوطني من جذوره. ففي تصريح محوري لوزير الاقتصاد الرقمي، محمد الدراجي، أُعلن أن حجم التعاملات في سوق التجارة الإلكترونية العراقية قد تجاوز حاجز الـ 4 مليارات دولار أمريكي. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية مالية عابرة، بل هو مؤشر ساطع على حيوية السوق المحلي، والقدرة الشرائية المتنامية، والاندماج المتسارع للمجتمع العراقي - وبخاصة فئة الشباب - في منظومة الاستهلاك الرقمي.
ومع ذلك، أشار التصريح إلى واقع مهم يتطلب التوقف عنده؛ وهو أن غالبية هذه التعاملات لا تزال تجري خارج الأطر الرسمية والأنظمة الضريبية والمصرفية المعتمدة. بل إن القراءة التحليلية العميقة لواقع السوق تشير إلى أن الحجم الفعلي قد يتجاوز هذا الرقم المعلن بأضعاف مضاعفة. فالنسبة الكبرى من العمليات التجارية اليوم تُدار عبر وسائل التواصل الاجتماعي مثل (إنستغرام وفيس بوك)، بطريقة لا يتم تسجيلها في قواعد البيانات التكنولوجية أو الحسابات المصرفية الرسمية.
إننا أمام مشهد يتسم بفرص استثمارية هائلة تُرافقها تحديات تنظيمية وبنيوية جسيمة.
![]() حجم سوق التجارة الإلكترونية في العراق بين البيانات المعلنة والسوق الموازي |
قراءة مقارنة: موقع العراق في الخارطة الرقمية الإقليمية
عند وضع حجم السوق العراقي في سياقه الإقليمي ومقارنته بأسواق المنطقة، تتضح القوة الكامنة والفرص الواعدة التي يمتلكها الاقتصاد الرقمي العراقي:
- المملكة الأردنية الهاشمية: بلغ حجم سوق التجارة الإلكترونية فيها نحو 250 مليون دولار (عام 2024).
- الإمارات العربية المتحدة: يتجاوز حجم السوق فيها 11.5 مليار دولار.
- المملكة العربية السعودية: يُقدّر حجم التجارة الإلكترونية لتجزئة المنتجات فيها بما بين 16 إلى 20 مليار دولار.
إن تجاوز العراق لأسواق مجاورة كالأردن واقترابه الحثيث من الأسواق الإقليمية الكبرى يبرهن على أن القوة الشرائية والكثافة السكانية في العراق تشكلان بيئة خصبة للغاية. إلا أن الفارق الجوهري بين العراق وتلك الأسواق الإقليمية يكمن في البنية التحتية المكتملة؛ حيث تتمتع الأسواق المجاورة بأنظمة دفع إلكتروني متقدمة، وأطر تنظيمية صارمة، وشبكات لوجستية مؤللة وموثوقة - وهو البعد البنيوي الذي يعمل العراق حالياً على بنائه وتطويره.
من العشوائية إلى التنظيم: حلول ومبادرات شبابية واعدة
بصفتنا نراقب ونواكب مسار مبادرة "صُنِع في العراق" تحت مظلة الغرفة التجارية والصناعية السويدية العراقية، فإننا نؤمن إيماناً راسخاً بأن تحويل هذه الكتلة المالية الضخمة من قطاع غير رسمي إلى اقتصاد منظّم هو المفتاح الحقيقي لدعم المنتج المحلي والابتكار الوطني.
إن الانتقال من البيع العشوائي عبر منصات التواصل إلى منظومات تجارية محترفة ليس مجرد خيار تنظيمي، بل هو ضرورة استراتيجية لحماية أصحاب المشاريع والزبائن على حد سواء. وفي هذا السياق، برزت مبادرات وتطبيقات محلية طموحة تهدف إلى سد الفجوة التنفيذية في البنية التحتية الرقمية، ومن أبرزها منصة وتطبيق "سچة" (Sycha).



